دور الأم في التربية

إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِنا .......ً جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ

المحتويات


مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فإن الحديث عن أهمية التربية ودورها في إعداد المجتمع وحمايته ليس هذا مكانه ولا وقته، فالجميع يدرك أن التربية ضرورة ومطلب ملح أيًّا كان منطلقه وفلسفته التربوية، والمجتمعات كلها بأسرها تنادي اليوم بالتربية وتعنى بالتربية والحديث عنها، ولعلنا حين نتطلع إلى المكتبة نقرأ فيها من الكتب الغربية أكثر مما نقرأ فيها مما صدر عن مجتمعات المسلمين، مما يدل على أن التربية همًّا ومطلباً للجميع بغض النظر عن فلسفتهم التربوية وأولياتهم.

 


أهمية الأم في تربية الطفل
تحتل الأم مكانة مهمة وأساسية في التربية، ويبدو ذلك من خلال الأمور الآتية:

الأمر الأول: أثر الأسرة في التربية
فالأسرة أولاً هي الدائرة الأولى من دوائر التنشئة الاجتماعية، وهي التي تغرس لدى الطفل المعايير التي يحكم من خلالها على ما يتلقاه فيما بعد من سائر المؤسسات في المجتمع، فهو حينما يغدو إلى المدرسة ينظر إلى أستاذه نظرةً من خلال ما تلقاه في البيت من تربية، وهو يختار زملاءه في المدرسة من خلال ما نشأته عليه أسرته، ويقيِّم ما يسمع وما يرى من مواقف تقابله في الحياة، من خلال ما غرسته لديه الأسرة، وهنا يكمن دور الأسرة وأهميتها وخطرها في الميدان التربوي.

 


الأمر الثاني: الطفل يتأثر بحالة أمه وهي حامل
تنفرد الأم بمرحلة لا يشركها فيها غيرها وهي مرحلة مهمة ولها دور في التربية قد نغفل عنه ألا وهي مرحلة الحمل؛ فإن الجنين وهو في بطن أمه يتأثر بمؤثرات كثيرة تعود إلى الأم، ومنها:
التغذية فالجنين على سبيل المثال يتأثر بالتغذية ونوع الغذاء الذي تتلقاه الأم، وهو يتأثر بالأمراض التي قد تصيب أمه أثناء الحمل، ويتأثر أيضاً حين تكون أمه تتعاطى المخدرات، وربما أصبح مدمناً عند خروجه من بطن أمه حين تكون أمه مدمنة للمخدرات، ومن ذلك التدخين، فحين تكون المرأة مدخنة فإن ذلك يترك أثراً على جنينها، ولهذا فهم في تلك المجتمعات يوصون المرأة المدخنة أن تمتنع عن التدخين أثناء فترة الحمل أو أن تقلل منه؛ نظراً لتأثيره على جنينها، ومن العوامل المؤثرة أيضاً: العقاقير الطبية التي تناولها المرأة الحامل، ولهذا يسأل الطبيب المرأة كثيراً حين يصف لها بعض الأدوية عن كونها حامل أو ليست كذلك .
وصورةً أخرى من الأمور المؤثرة وقد لا تتصوره الأمهات والآباء هذه القضية، وهي حالة الأم الانفعالية أثناء الحمل، فقد يخرج الطفل وهو كثير الصراخ في أوائل طفولته، وقد يخرج الطفل وهو يتخوف كثيراً، وذلك كله بسبب مؤثرات تلقاها من حالة أمه الانفعالية التي كانت تعيشها وهي في حال الحمل، وحين تزيد الانفعالات الحادة عند المرأة وتكرر فإن هذا يؤثر في الهرمونات التي تفرزها الأم وتنتقل إلى الجنين، وإذا طالت هذه الحالة فإنها لا بد أن تؤثر على نفسيته وانفعالاته وعلى صحته، ولهذا ينبغي أن يحرص الزوج على أن يهيئ لها جواً ومناخاً مناسباً، وأن تحرص هي على أن تتجنب الحالات التي تؤدي بها حدة الانفعال .
أمر آخر أيضاً له دور وتأثير على الجنين وهو اتجاه الأم نحو حملها أو نظرتها نحو حملها فهي حين تكون مسرورة مستبشرة بهذا الحمل لا بد أن يتأثر الحمل بذلك، وحين تكون غير راضية عن هذا الحمل فإن هذا سيؤثر على هذا الجنين، ومن هنا وجه الشرع الناس إلى تصحيح النظر حول الولد الذكر والأنثى، قال سبحانه وتعالى :]ولله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء ويهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير[. فهو سبحانه وتعالى له ما يشاء وله الحكم سبحانه وتعالى؛ فيقرر للناس أنه عز وجل صاحب الحكم والأمر، وما يختار الله سبحانه وتعالى أمراً إلا لحكمة، لذا فالزوجة والزوج جميعاً ينبغي أن يرضوا بما قسم الله، ويعلموا أن ما قسم الله عز وجل خير لهم، سواءً كان ذكراً أو أنثى، وحين تفقد المرأة هذا الشعور، فيكشف لها التقرير الطبي أن الجنين الذي في بطنها أنثى، فتبدأ تغير نظرتها ومشاعرها نحو هذا الحمل أو العكس فإن هذا لا بد أن يؤثر على الحمل، ونحن هنا لسنا في عيادة طبية حتى نوجه المرأة الحامل أو نتحدث عن هذه الآثار التي يمكن أن تخلقها حالة الأم على الحمل، إنما المقصود من هذا كله أن دور المرأة يبدأ من حين حملها وأنها تعيش مرحلة تؤثر على مستقبل هذا المولود لا يشاركها غيرها.

 


الأمر الثالث: دور الأم مع الطفل في الطفولة المبكرة
الطفولة المبكرة مرحلة مهمة لتنشئة الطفل، ودور الأم فيها أكبر من غيرها، فهي في مرحلة الرضاعة أكثر من يتعامل مع الطفل، ولحكمة عظيمة يريدها الله سبحانه وتعالى يكون طعام الرضيع في هذه المرحلة من ثدي أمه وليس الأمر فقط تأثيراً طبيًّا أو صحيًّا، وإنما لها آثار نفسية أهمها إشعار الطفل بالحنان والقرب الذي يحتاج إليه، ولهذا يوصي الأطباء الأم أن تحرص على إرضاع الطفل، وأن تحرص على أن تعتني به وتقترب منه لو لم ترضعه.
وهنا ندرك فداحة الخطر الذي ترتكبه كثير من النساء حين تترك طفلها في هذه المرحلة للمربية والخادمة؛ فهي التي تقوم بتنظيفه وتهيئة اللباس له وإعداد طعامه، وحين يستعمل الرضاعة الصناعية فهي التي تهيئها له، وهذا يفقد الطفل قدراً من الرعاية النفسية هو بأمس الحاجة إليه.
وإذا ابتليت الأم بالخادمة -والأصل الاستغناء عنها- فينبغي أن تحرص في المراحل الأولية على أن تباشر هي رعاية الطفل، وتترك للخادمة إعداد الطعام في المنزل أو تنظيفه أو غير ذلك من الأعمال، فلن يجد الطفل الحنان والرعاية من الخادمة كما يجدها من الأم، وهذا له دور كبير في نفسية الطفل واتجاهاته في المستقبل، وبخاصة أن كثيراً من الخادمات والمربيات في العالم الإسلامي لسن من المسلمات، وحتى المسلمات غالبهن من غير المتدينات، وهذا لايخفى أثره، والحديث عن هذا الجانب يطول، ولعلي أن أكتفي بهذه الإشارة.
فالمقصود أن الأم كما قلنا تتعامل مع هذه المرحلة مع الطفل أكثر مما يتعامل معه الأب، وفي هذه المرحلة سوف يكتسب العديد من العادات والمعايير، ويكتسب الخلق والسلوك الذي يصعب تغييره في المستقبل، وهنا تكمن خطورة دور الأم فهي البوابة على هذه المرحلة الخطرة من حياة الطفل فيما بعد، حتى أن بعض الناس يكون مستقيماً صالحاً متديناً لكنه لم ينشأ من الصغر على المعايير المنضبطة في السلوك والأخلاق، فتجد منه نوعاً من سوء الخلق وعدم الانضباط السلوكي، والسبب أنه لم يترب على ذلك من صغره.

 


الأمر الرابع : دور الأم مع البنات
لئن كانت الأم أكثر التصاقاً بالأولاد عموماً في الطفولة المبكرة، فهذا القرب يزداد ويبقى مع البنات.
ولعل من أسباب ما نعانيه اليوم من مشكلات لدى الفتيات يعود إلى تخلف دور الأم التربوي، فالفتاة تعيش مرحلة المراهقة والفتن والشهوات والمجتمع من حولها يدعوها إلى الفساد وتشعر بفراغ عاطفي لديها، وقد لا يشبع هذا الفراغ إلا في الأجواء المنحرفة، أما أمها فهي مشغولة عنها بشؤونها الخاصة، وبالجلوس مع جاراتها وزميلاتها، فالفتاة في عالم والأم في عالم آخر.
إنه من المهم أن تعيش الأم مع بناتها وتكون قريبة منهن؛ ذلك أن الفتاة تجرؤ أن تصارح الأم أكثر من أن تصارح الأب، وأن تقترب منها وتملأ الفراغ العاطفي لديها.
ويزداد هذا الفراغ الذي تعاني منه الفتاة في البيت الذي فيه خادمة، فهي تحمل عنها أعباء المنزل، والأسرة ترى تفريغ هذه البنت للدراسة لأنها مشغولة في الدراسة، وحين تنهي أعباءها الدراسية يتبقى عندها وقت فراغ، فبم تقضي هذا الفراغ: في القراءة؟ فنحن لم نغرس حب القراءة لدى أولادنا.
وبين الأم وبين الفتاة هوه سحيقة، تشعر الفتاة أن أمها لا توافقها في ثقافتها وتوجهاتها، ولا في تفكيرها، وتشعر بفجوة ثقافية وفجوة حضارية بينها وبين الأم؛ فتجد البنت ضالتها في مجلة تتحدث عن الأزياء وعن تنظيم المنزل، وتتحدث عن الحب والغرام، وكيف تكسبين الآخرين فتثير عندها هذه العاطفة، وقد تجد ضالتها في أفلام الفيديو، أو قد تجد ضالتها من خلال الاتصال مع الشباب في الهاتف، أو إن عدمت هذا وذاك ففي المدرسة تتعلم من بعض زميلاتها مثل هذه السلوك.

 


الأمر الخامس: الأم تتطلع على التفاصيل الخاصة لأولادها
تتعامل الأم مع ملابس الأولاد ومع الأثاث وترتيبه، ومع أحوال الطفل الخاصة فتكتشف مشكلات عند الطفل أكثر مما يكتشفه الأب، وبخاصة في وقتنا الذي انشغل الأب فيه عن أبنائه، فتدرك الأم من قضايا الأولاد أكثر مما يدركه الأب.
هذه الأمور السابقة تؤكد لنا دور الأم في التربية وأهميته، ويكفي أن نعرف أن الأم تمثل نصف المنزل تماماً ولا يمكن أبداً أن يقوم بالدور التربوي الأب وحده، أو أن تقوم به المدرسة وحدها، فيجب أن تتضافر جهود الجميع في خط واحد.
لكن الواقع أن الطفل يتربى على قيم في المدرسة يهدهما المنزل، ويتربى على قيم في المنزل مناقضة لما يلقاه في الشارع؛ فيعيش ازدواجية وتناقضا ، المقصود هو يجب أن يكون البيت وحده متكاملة.
لا يمكن أن أتحدث معشر الأخوة والأخوات خلال هذه الأمسية وخلال هذا الوقت، لا يمكن أن أتحدث عن الدور الذي ننتظره من الأم في التربية، إنما هي فقط مقترحات أردت أن أسجلها.

 


مقترحات تربوية للأم
مهما قلنا فإننا لا نستطيع أن نتحدث بالتفصيل عن دور الأم في التربية، ولا نستطيع من خلال ساعة واحدة أن نُخرِّج أماً مربية، ولهذا رأيت أن يكون الشق الثاني -بعد أن تحدثنا في عن أهمية دور الأم- عبارة عن مقترحات وتحسين الدور التربوي للأم وسجلت هنا، ومن هذه المقترحات:


أولاً: الشعور بأهمية التربية
إن نقطة البداية أن تشعر الأم بأهمية التربية وخطورتها، وخطورة الدور الذي تتبوؤه، وأنها مسؤولة عن جزء كبير من مستقبل أبنائها وبناتها، وحين نقول التربية فإنا نعني التربية بمعناها الواسع الذي لايقف عند حد العقوبة أو الأمر والنهي، كما يتبادر لذهن طائفة من الناس، بل هي معنى أوسع من ذلك.
فهي تعني إعداد الولد بكافة جوانب شخصيته: الإيمانية، والجسمية، والنفسية، والعقلية الجوانب الشخصية المتكاملة أمر له أهمية وينبغي أن تشعر الأم والأب أنها لها دور في رعاية هذا الجانب وإعداده.
وفي جانب التنشئة الدينية والتربية الدينية يحصرها كثير من الناس في توجيهات وأوامر أو عقوبات، والأمر أوسع من ذلك، ففرق بين شخص يعاقب ابنه حيث لا يصلي وبين شخص آخر يغرس عند ابنه حب الصلاة، وفرق بين شخص يعاقب ابنه حين يتفوه بكلمة نابية، وبين شخص يغرس عند ابنه رفض هذه الكلمة وحسن المنطق، وهذا هو الذي نريده حين نتكلم عن حسن التربية، فينبغي أن يفهم الجميع –والأمهات بخاصة- التربية بهذا المعنى الواسع.

 


ثانياً: الاعتناء بالنظام في المنزل
من الأمور المهمة في التربية -ويشترك فيها الأم والأب لكن نؤكد على الأم- الاعتناء بنظام المنزل؛ فذلك له أثر في تعويد الابن على السلوكيات التي نريد.
إننا أمة فوضوية: في المواعيد، في الحياة المنزلية، في تعاملنا مع الآخرين، حتى ترك هذا السلوك أثره في تفكيرنا فأصبحنا فوضويين في التفكير.
إننا بحاجة إلى تعويد أولادنا على النظام، في غرفهم وأدواتهم، في مواعيد الطعام، في التعامل مع الضيوف وكيفية استقبالهم، ومتى يشاركهم الجلوس ومتى لايشاركهم؟

 


ثالثاً: السعي لزيادة الخبرة التربوية
إن من نتائج إدراك الأم لأهمية التربية أن تسعى لزيادة خبرتها التربوية والارتقاء بها، ويمكن أن يتم ذلك من خلال مجالات عدة، منها:
أ : القراءة؛ فمن الضروري أن تعتني الأم بالقراءة في الكتب التربوية، وتفرغ جزءاً من وقتها لاقتنائها والقراءة فيها، وليس من اللائق أن يكون اعتناء الأم بكتب الطبخ أكثر من اعتنائها بكتب التربية.
وحين نلقي سؤالاً صريحاً على أنفسنا: ماحجم قراءاتنا التربوية؟ وما نسبتها لما نقرأ إن كنا نقرأ؟ فإن الإجابة عن هذه السؤال تبرز مدى أهمية التربية لدينا، ومدى ثقافتنا التربوية.
ب : استثمار اللقاءات العائلية؛ من خلال النقاش فيها عن أمور التربية، والاستفادة من آراء الأمهات الأخريات وتجاربهن في التربية، أما الحديث الذي يدور كثيراً في مجالسنا في انتقاد الأطفال، وأنهم كثيرو العبث ويجلبون العناء لأهلهم، وتبادل الهموم في ذلك فإنه حديث غير مفيد، بل هو مخادعة لأنفسنا وإشعار لها بأن المشكلة ليست لدينا وإنما هي لدى أولادنا.
لم لانكون صرحاء مع أنفسنا ونتحدث عن أخطائنا نحن؟ وإذا كان هذا واقع أولادنا فهو نتاج تربيتنا نحن، ولم يتول تربيتهم غيرنا، وفشلنا في تقويمهم فشل لنا وليس فشلاً لهم.
ج: الاستفادة من التجارب، إن من أهم مايزيد الخبرة التربوية الاستفادة من التجارب والأخطاء التي تمر بالشخص، فالأخطاء التي وقعتِ فهيا مع الطفل الأول تتجنبينها مع الطفل الثاني، والأخطاء التي وقعتِ فيها مع الطفل الثاني تتجنبينها مع الطفل الثالث، وهكذا تشعرين أنك ما دمت تتعاملين مع الأطفال فأنت في رقي وتطور.

 


رابعاً: الاعتناء بتلبية حاجات الطفل
للطفل حاجات واسعة يمكن نشير إلى بعضها في هذا المقام، ومنها:
1- الحاجة إلى الاهتمام المباشر:
يحتاج الطفل إلى أن يكون محل اهتمام الآخرين وخاصة والديه، وهي حاجة تنشأ معه من الصغر، فهو يبتسم ويضحك ليلفت انتباههم، وينتظر منهم التجاوب معه في ذلك.
ومن صور الاهتمام المباشر بحاجات الطفل الاهتمام بطعامه وشرابه، وتلافي إظهار الانزعاج والقلق –فضلاً عن السب والاتهام بسوء الأدب والإزعاج- حين يوقظ أمه لتعطيه طعامه وشرابه، ومما يعين الأم على ذلك تعويده على نظام معين، وتهيئة طعام للابن –وبخاصة الإفطار- قبل نومها.
ومن أسوأ صور تجاهل حاجة الطفل إلى الطعام والشراب ماتفعله بعض النساء حال صيامها من النوم والإغلاق على نفسها، ونهر أطفالها حين يطلبون منها الطعام أو الشراب.
ومن صور الاهتمام به من أيضاً حسن الاستماع له، فهو يحكي قصة، أو يطرح أسئلة فيحتاج لأن ينصت له والداه، ويمكن أن توجه له أسئلة تدل على تفاعل والديه معه واستماعهم له، ومن الوسائل المفيدة في ذلك أن تسعى الأم إلى أن تعبر عن الفكرة التي صاغها هو بلغته الضعيفة بلغة أقوى، فهذا مع إشعاره له بالاهتمام يجعله يكتسب عادات لغوية ويُقوِّى لغته.
ومن صور الاهتمام التخلص من أثر المشاعر الشخصية، فالأب أو الأم الذي يعود من عمله مرهقاً، أو قد أزعجته مشكلة من مشكلات العمل، ينتظر منهم أولادهم تفاعلاً وحيوية، وينتظرونهم بفارغ الصبر، فينبغي للوالدين الحرص على عدم تأثير المشاعر والمشكلات الخاصة على اهتمامهم بأولادهم.
2- الحاجة إلى الثقة:
يحتاج الطفل إلى الشعور بثقته بنفسه وأن الآخرين يثقون فيه، ويبدو ذلك من خلال تأكيده أنه أكبر من فلان أو أقوى من فلان.
إننا بحاجة لأن نغرس لدى أطفالنا ثقتهم بأنفسهم،وأنهم قادرون على تحقيق أمور كثيرة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تكليفهم بأعمال يسيرة يستطيعون إنجازها، وتعويدهم على ذلك.
ويحتاجون إلى أن يشعرون بأننا نثق بهم، ومما يعين على ذلك تجنب السخرية وتجنب النقد اللاذع لهم حين يقعون في الخطأ، ومن خلال حسن التعامل مع مواقف الفشل التي تمر بهم ومحاولة استثمارها لغرس الثقة بالنجاح لديهم بدلاً من أسلوب التثبيط أو مايسيمه العامة (التحطيم).
3 – الحاجة إلى الاستطلاع:
يحب الطفل الاستطلاع والتعرف على الأشياء، ولهذا فهو يعمد إلى كسر اللعبة ليعرف مابداخلها، ويكثر السؤال عن المواقف التي تمر به، بصورة قد تؤدي بوالديه إلى التضايق من ذلك.
ومن المهم أن تتفهم الأم خلفية هذه التصرفات من طفلها فتكف عن انتهاره أو زجره، فضلاً عن عقوبته.
كما أنه من المهم أن تستثمر هذه الحاجة في تنمية التفكير لدى الطفل، فحين يسأل الطفل عن لوحة السيارة، فبدلاً من الإجابة المباشرة التي قد لا يفهمها يمكن أن يسأله والده، لو أن صاحب سيارة صدم إنساناً وهرب فكيف تتعرف الشرطة على سيارته؟ الولد: من رقم السيارة، الأب: إذا هذا يعني أنه لابد من أن يكون لكل سيارة رقم يختلف عن بقية السيارات، والآن حاول أن تجد سيارتين يحملان رقماً واحداً، وبعد أن يقوم الولد بملاحظة عدة سيارات سيقول لوالده إن ما تقوله صحيح.
4- الحاجة إلى اللعب:
الحاجة إلى اللعب حاجة مهمة لدى الطفل لا يمكن أن يستغني عنها، بل الغالب أن الطفل قليل اللعب يعاني من مشكلات أو سوء توافق.
وعلى الأم في تعامله مع هذه الحاجة أن تراعي الآتي:
إعطاء الابن الوقت الكافي للعب وعدم إظهار الانزعاج والتضايق من لعبه.
استثمار هذه الحاجة في تعليمه الانضباط والأدب، من خلال التعامل مع لعب الآخرين وأدواتهم، وتجنب إزعاج الناس وبخاصة الضيوف، وتجنب اللعب في بعض الأماكن كالمسجد أو مكان استقبال الضيوف.
استثمار اللعب في التعليم، من خلال الحرص على اقتناء الألعاب التي تنمي تفكيره وتعلمه أشياء جديدة.
الحذر من التركيز على ما يكون دور الطفل فيها سلبيًّا ، أو يقلل من حركته، كمشاهدة الفيديو أو ألعاب الحاسب الآلي، فلا بد من أن يصرف جزءاً من وقته في ألعاب حركية، كلعب الكرة أو اللعب بالدراجة أو الجري ونحو ذلك.
5 – الحاجة إلى العدل:
يحتاج الناس جميعاً إلى العدل، وتبدو هذه الحاجة لدى الأطفال بشكل أكبر من غيرهم، ولذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الأولاد، وشدد في ذلك، عن حصين عن عامر قال : سمعت النعمان ابن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال :"أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟" قال:لا، قال :"فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال فرجع فرد عطيته. متفق عليه.
ومهما كانت المبررات لدى الأم في تفضيل أحد أولادها على الآخر، فإن ذلك لا يقنع الطفل، ولابد من الاعتناء بضبط المشاعر الخاصة تجاه أحد الأطفال حتى لا تطغى، فتترك أثرها عليه وعلى سائر إخوانه وأخواته.
ومن المشكلات التي تنشأ عن ذلك مشكلة الطفل الجديد، فكثير من الأمهات تعاني منها (ولعله أن يكون لها حديث مستقل لأهميتها).
أكتفي بهذا الحديث عن هذه الحاجات وإلا فهي حاجات كثيرة، والواجب على الوالدين تجاه هذه الحاجات أمران:
الأول: الحرص على إشباع هذه الحاجات والاعتناء بها، الثاني: استثمار هذه الحاجات في تعليم الابن السلوكيات والآداب التي يحتاج إليها.

 


خامسا: الحرص على التوافق بين الوالدين
التربية لا يمكن أن تتم من طرف واحد، والأب والأم كل منهما يكمل مهمة الآخر ودوره، ومما ينبغي مراعاته في هذا الإطار:
الحرص على حسن العلاقة بين الزوجين، فالحالة النفسية والاستقرار لها أثرها على الأطفال كما سبق، فالزوجة التي لاتشعر بالارتياح مع زوجها لابد أن يظهر أثر ذلك على رعايتها لأطفالها واهتمامها بهم.
التفاهم بين الوالدين على الأساليب التربوية والاتفاق عليها قدر الإمكان.
أن يسعى كل من الوالدين إلى غرس ثقة الأطفال بالآخر، فيتجنب الأب انتقاد الأم أو عتابها أمام أولادها فضلاً عن السخرية بها أو تأنيبها، كما أن الأم ينبغي أن تحرص على غرس ثقة أطفالها بوالدهم، وإشعارهم بأنه يسعى لمصلحتهم –ولو اختلفت معه- وأنه إن انشغل عنهم فهو مشغول بأمور مهمة تنفع المسلمين أجمع، أو تنفع هؤلاء الأولاد.
ومما ينبغي مراعاته هنا الحرص على تجنب أثر اختلاف الموقف أو وجهة النظر بين الوالدين، وأن نسعى إلى ألا يظهر ذلك على أولادنا فهم أعز مانملك، وبإمكاننا أن نختلف ونتناقش في أمورنا لوحدنا.

 


سادساً: التعامل مع أخطاء الأطفال
كثير من أخطائنا التربوية مع أطفالنا هي في التعامل مع الأخطاء التي تصدر منهم، ومن الأمور المهمة في التعامل مع أخطاء الأطفال:
1. عدم المثالية:
كثيراً مانكون مثاليين مع أطفالنا، وكثيراً ما نطالبهم بما لا يطيقون، ومن ثم نلومهم على ما نعده أخطاء وليست كذلك.
الطفل في بداية عمره لايملك التوازن الحركي لذا فقد يحمل الكوب فيسقط منه وينكسر، فبدلاً من عتابه وتأنيبه لو قالت أمه: الحمد الله أنه لم يصيبك أذى، أنا أعرف أنك لم تتعمد لكنه سقط منك عن غير قصد، والخطأ حين تتعمد إتلافه، والآن قم بإزالة أثر الزجاج حتى لا يصيب أحداً.
إن هذا الأسلوب يحدد له الخطأ من الصواب، ويعوده على تحمل مسؤولية عمله، ويشعره بالاهتمام والتقدير، والعجيب أن نكسر قلوب أطفالنا ونحطمهم لأجل تحطيمهم لإناء لا تتجاوز قيمته ريالين، فأيهما أثمن لدينا الأطفال أم الأواني؟
2. التوازن في العقوبة:
قد تضطر الأم لعقوبة طفلها، والعقوبة حين تكون في موضعها مطلب تربوي، لكن بعض الأمهات حين تعاقب طفلها فإنها تعاقبه وهي في حالة غضب شديد، فتتحول العقوبة من تأديب وتربية إلى انتقام، والواقع أن كثيراً من حالات ضربنا لأطفالنا تشعرهم بذلك.
لا تسأل عن تلك المشاعر التي سيحملها هذا الطفل تجاه الآخرين حتى حين يكون شيخاً فستبقى هذه المشاعر عنده ويصعب أن نقتلعها فيما بعد والسبب هو عدم التوازن في العقوبة.
3. تجنب البذاءة:
حين تغضب بعض الأمهات أو بعض الآباء فيعاتبون أطفالهم فإنهم يوجهون إليهم ألفاظاً بذيئة، أو يذمونهم بعبارات وقحة، وهذا له أثره في تعويدهم على المنطق السيء.
والعاقل لا يخرجه غضبه عن أدبه في منطقه وتعامله مع الناس، فضلاً عن أولاده.
4. تجنب الإهانة:
من الأمور المهمة في علاج أخطاء الأطفال أن نتجنب إهانتهم أو وصفهم بالفشل والطفولة والفوضوية والغباء …إلخ. فهذا له أثره البالغ على فقدانهم للثقة بأنفسهم، وعلى تعويدهم سوء الأدب والمنطق.
5. تجنب إحراجه أمام الآخرين :
إذا كنا لانرضى أن ينتقدنا أحد أمام الناس فأطفالنا كذلك، فحين يقع الطفل في خطأ أمام الضيوف فليس من المناسب أن تقوم أمه أو يقوم والده بتأنيبه أو إحراجه أمامهم أو أمام الأطفال الآخرين.

 


سابعاً: وسائل مقترحة لبناء السلوك وتقويمه
يعتقد كثير من الآباء والأمهات أن غرس السلوك إنما يتم من خلال الأمر والنهي، ومن خلال العقوبة والتأديب، وهذه لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من وسائل تعليم السلوك، وفي هذه العجالة أشير إلى بعض الوسائل التي يمكن أن تفيد الأم في غرس السلوك الحسن، أو تعديل السلوك السيئ، وهي على سبيل المثال لا الحصر: يعتقد كثير من الآباء والأمهات أن غرس السلوك إنما يتم من خلال الأمر والنهي، ومن خلال العقوبة والتأديب، وهذه لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من وسائل تعليم السلوك، وفي هذه العجالة أشير إلى بعض الوسائل التي يمكن أن تفيد الأم في غرس السلوك الحسن، أو تعديل السلوك السيئ، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
1 – التجاهل:
يعمد الطفل أحياناً إلى أساليب غير مرغوبة لتحقيق مطالبه، كالصراخ والبكاء وإحراج الأم أمام الضيوف وغير ذلك، والأسلوب الأمثل في ذلك ليس هو الغضب والقسوة على الطفل، إنما تجاهل هذا السلوك وعدم الاستجابة للطفل، وتعويده على أن يستخدم الأساليب المناسبة والهادئة في التعبير عن مطالبه، وأسلوب التجاهل يمكن أن يخفي كثيراً من السلوكيات الضارة عند الطفل أو على الأقل يخفف من حدتها.
2 – القدوة:
لست بحاجة للحديث عن أهمية القدوة وأثرها في التربية، فالجميع يدرك ذلك، إنني حين أطالب الطفل بترتيب غرفته ويجد غرفتي غير مرتبة، وحين أطالبه أن لا يتفوه بكلمات بذيئة ويجدني عندما أغضب أتفوه بكلمات بذيئة، وحين تأمره الأم ألا يكذب، ثم تأمره بالكذب على والده حينئذ سنمحو بأفعالنا مانبنيه بأقوالنا.
3 – المكافأة:
المكافأة لها أثر في تعزيز السلوك الإيجابي لدى الطفل، وهي ليست بالضرورة قاصرة على المكافأة المادية فقد تكون بالثناء والتشجيع وإظهار الإعجاب، ومن وسائل المكافأة أن تعده بأن تطلب من والده اصطحابه معه في السيارة، أو غير ذلك مما يحبه الطفل ويميل إليه.
ومما ينبغي مراعاته أن يكون استخدام المكافأة باعتدال حتى لا تصبح ثمناً للسلوك.
4 – الإقناع والحوار:
من الأمور المهمة في بناء شخصية الأطفال أن نعودهم على الإقناع والحوار، فنستمع لهم وننصت، ونعرض آراءنا وأوامرنا بطريقة مقنعة ومبررة، فهذا له أثره في تقبلهم واقتناعهم، وله أثره في نمو شخصيتهم وقدراتهم.
وهذا أيضاً يحتاج لاعتدال، فلابد أن يعتاد الأطفال على الطاعة، وألا يكون الاقتناع شرطاً في امتثال الأمر.
5 - وضع الأنظمة الواضحة:
من المهم أن تضع الأم أنظمة للأطفال يعرفونها ويقومون بها، فتعودهم على ترتيب الغرفة بعد استيقاظهم، وعلى تجنب إزعاج الآخرين…إلخ، وحتى يؤتي هذا الأسلوب ثمرته لابد أن يتناسب مع مستوى الأطفال، فيعطون أنظمة واضحة يستوعبونها ويستطيعون تطبيقها والالتزام بها.
6 – التعويد على حل الخلافات بالطرق الودية:
مما يزعج الوالدين كثرة الخلافات والمشاكسات بين الأطفال، ويزيد المشكلة كثرة تدخل الوالدين، ويجب أن تعلم الأم أنه لا يمكن أن تصل إلا قدر تزول معه هذه المشكلة تماماً، إنما تسعى إلى تخفيف آثارها قدر الإمكان، ومن ذلك:
تعويدهم على حل الخلافات بينهم بالطرق الودية، ووضع الأنظمة والحوافز التي تعينهم على ذلك، وعدم تدخل الأم في الخلافات اليسيرة، فذلك يعود الطفل على ضعف الشخصية وكثرة الشكوى واللجوء للآخرين.
7 – تغيير البيئة:
ولذلك وسائل عدة منها:
أولا: إغناء البيئة: وذلك بأن يهيأ للطفل مايكون بديلاً عن انشغاله بما لايرغب فيه، فبدلاً من أن يكتب على الكتب يمكن أن يعطى مجلة أو دفتراً يكتب فيه مايشاء، وبدلاً من العبث بالأواني يمكن أن يعطى لعباً على شكل الأواني ليعبث بها.
ثانياً: حصر البيئة: وذلك بأن تكون له أشياء خاصة، كأكواب خاصة للأطفال يشربون بها، وغرفة خاصة لألعابهم، ومكان خاص لا يأتيه إلا هم؛ حينئذ يشعر أنه غير محتاج إلى أن يعتدي على ممتلكات الآخرين.
ومن الخطأ الاعتماد على قفل باب مجالس الضيوف وغيرها، فهذا يعوده على الشغف بها والعبث بها، لأن الممنوع مرغوب.
لكن أحياناً تغفل الأمهات مثلاً المجلس أو المكتبة ،ترفع كل شيء عنه صحيح هذا يمنعه وحين يكون هناك فرصة للدخول يبادر بالعبث لأن الشيء الممنوع مرغوب.
ثالثاً: تهيئة الطفل للتغيرات اللاحقة: الطفل تأتيه تغييرات في حياته لابد أن يهيأ لها، ومن ذلك أنه يستقل بعد فترة فينام بعيداً عن والديه في غرفة مستقلة، أو مع من يكبره من إخوته، فمن الصعوبة أن يفاجأ بذلك، فالأولى بالأم أن تقول له: إنك كبرت الآن وتحتاج إلا أن تنام في غرفتك أو مع إخوانك الكبار.
وهكذا البنت حين يراد منها أن تشارك في أعمال المنزل.
8 - التعويد :
الأخلاق والسلوكيات تكتسب بالتعويد أكثر مما تكتسب بالأمر والنهي، فلا بد من الاعتناء بتعويد الطفل عليها، ومراعاة الصبر وطول النفس والتدرج في ذلك.
هذه بعض الخواطر العاجلة وبعض المقترحات لتحسين الدور الذي يمكن أن تقوم به الأم، وينبغي لها ألا تغفل عن دعاء الله تعالى وسؤاله الصلاح لأولادها، فقد وصف الله تبارك وتعالى عباده الصالحين بقوله : [والذين يقولون ربنا هبنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما]
و الله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المحتويات


مقدمة
هذه أفكار تربوية صاغها المحاضر على شكل رسالة أرسلها ابن إلى أبيه، يحدثه عن بعض الأخطاء التربوية، وهاهنا تنبيهات:
1- إن هذا الحديث لايعني أن نضع الآباء في قفص الاتهام، وقاعة المحاكمة، أو أن نواجه الأب بقائمة طويلة من التهم والأخطاء التربوية، إن القضية ابتداءً وانتهاءً هي محاولة للوصول إلى وضع أفضل، ومستوى أعلى من التربية.
2- لن نتحدث في هذه الدقائق عن نظرية تربوية شاملة، ولا عن أسس تربية الابن، إنما هو محاولة لإلقاء الضوء على بعض التصرفات التربوية الخاطئة التي تصدر من بعض الآباء.
3- الكثير من الآباء يدرك مسؤوليته عن التربية، وخطورة إهمال ابنه ومصطلح ( تربية الأبناء) مصطلح واضح له دلالات محددة لديه. لكن هذا شيء وسلوك الطريق السليم شيء آخر.
4- إن هذا الحديث لايعني أن الأب وحده هو المسؤول الأول والأخير، وأن نقف موقف المحامي والمدافع عن الابن؛ إنما الأب بدون شك يتحمل جزءاً من المسؤولية، ولايعني من الذي يتحمل الجزء الأكبر بقدر مايعني ضرورة الوقوف على الخطأ وتصحيحه.
5- وحديثنا هنا لايعني أن هذا شأن الجميع، وأسلوب الكافة، بل هناك من يحسن التربية، ويجيد التوجيه وهو مثال للأب المربي الواعي.
6-ولايعني أيضاً سرد هذه الأخطاء التربوية أن كل أب يحوي هذه الأخطاء جميعاً، فالأول له نصيب من هذا الخطأ دون ذاك، والثاني كذلك، والرابع.. والخامس. بل لعل هذه الأخطاء لايمكن أن تجتمع في أب واحد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أدام الله علينا وعليكم نعمة الإسلام، والصحة والعافية، أحييك يا أبت بتحية أهل الإسلام، تحية المحبة والمودة، تحية من لهج قلبه بالتوقير والحب لك، ولسانه بالثناء عليك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يا أبت أذكرك مع إشراقة كل شمس وغروبها، أذكرك مع إقبال الليل وإدبار النهار، حين أسافر وحين أقيم، حين أحل وحين أرتحل؛ فمحياك لايفارق ناظري، وذكراك لاتزول عن خاطري.
يا أبت كم هي عظيمة آلاؤك عليَّ، وكم هو جميل إحسانك لي، ولن أستطيع إحصاء أفضالك، أو عد محاسنك، فأنت الذي تفتحت عيني على رؤياه، وتحملت المشاق من أجلي .
يا أبت لقد قرأت في كتاب الله عز وجل حواراً بين إبراهيم وأبيه وفي كل كلمة يقولها لأبيه يصدرها بقوله يا أبت. فأحببت أن يكون هذا عنوان رسالتي إليك يا أبت.
ومعاذ الله، معاذ الله يا أبت أن أضع نفسي موضع إبراهيم، وأضعك موضع أبيه، أو أن أتحول إلى موجه لك ومعلم.
يا أبت لقد عِشْتُ مرحلة من العمر مضت بما فيها، مرحلة غفوة وصبوة، ثم من الله علي بالهداية، وجلست أفكر ملياً وطويلاً فيما مضى، وما أعانيه؛ فقررت بعد طول تفكير ، وجزمت بعد طول تردد أن أسطر لك هذه الرسالة لأتحدث معك بكل صراحة، وأخاطبك بكل وضوح فأصارحك ببعض ما أرى أنه كان لاينبغي تجاهي من أساليب تربوية، وأنا أجزم أنك بإذن الله ستتجاوز هذه الأخطاء تجاهي أولاً، وتجاه إخوتي ثانياً.
إن المصارحة ضرورة، يا أبت، والتهرب من الواقع لن يجني ثماره غيرنا.
يا أبت : لايدر في بالك أبداً أن ماأذكره عنوان نقص قدرك لدي، أو دليل ضعف محبتك، أو مبادئ عقوق حاشا لله. إني وحين أسطر هذه السطور لازلت أدعو لك في صلاتي، وما تركت موطناً أرجو فيه إجابة الدعاء إلا وتوجهت لك بالدعاء الخالص. ولازال لساني يفيض لك بعبارات الثناء والاعتراف بالجميل ، أسأل الله أن يعينني على برك وأداء حقك.
وقد تطول فصول هذه الرسالة لكن ذلك خير من أن تطول فصول المعاناة، ويكثر سرد الأخطاء وهو خير بكل حال من أن يكثر الندم والتحسر على الإهمال، وهذا أوان الشروع في المقصود.

 


هكذا شأن التربية :
[ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون].
" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته "متفق عليه.
قال ابن مسعود رضي الله عنه : " حافظوا على أبنائكم في الصلاة وعودوهم الخير فإن الخير عادة ".
قال ابن القيم : " قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً فللابن على أبيه حق؛ فكما قال الله تعالى [ووصينا الإنسان بوالديه حسناً] وقال تعالى [قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة] قال علي بن أبي طالب : علموهم وأدبوهم. وقال تعالى [واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اعدلوا بين أولادكم " فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم قال تعالى [ولاتقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيرا] فمن أهمل تعليم ولده ماينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة؛ وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم على العقوق، فقال يا أبت إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً ".
وقال الغزالي :"الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل مانقش، ومائلٌ إلى كل مايمال به إليه؛ فإن عُوِّد الخير وعُلِّمَه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم، شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه، والوالي له. وإلى هذا أشر أبو العلاء في قوله :-
وينشأ ناشيء الفتيان فينـــا *** على ماكان عــوده أبــوه
ومادان الفتى بحجى ولــكـن *** يعلمه التدين أقربـــــوه
وهاهو ابن باديس يا أبت يقول : " إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي رباني تربية صالحة، ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها، ومشرباً أرده، وقاتني، وأعاشني، وبراني كالسهم، وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً ".

 


هدف الحياة يا أبت :
كثيراً ما تحدثني يا أبت حديثاً مستفيضاً عن المستقبل، حديثاً ألمس منه الحرص، وحرارة العاطفة: " يابني اجتهد في دراستك لتتفوق بإذن الله فتحصل على الشهادة العالية، والوظيفة المناسبة، لقد كنت تحدثني عن بناء المنزل، والزواج، والأولاد، والوظيفة" حتى اختزلت أهداف الحياة لتصبح هذا الهدف الوحيد، والمراد الأهم والأساس، لكني يا أبت لم أسمع منك يوماً من الأيام الحديث عن دوري في الحياة يابني اجتهد لتكون أهلاً لأن تخدم أمتك، وتساهم في نصرة دينك. يابني لقد ابتعد الناس عن شرع الله وأعرضوا عن معينه الصافي، فالأمل فيك أن تعد نفسك، وتبني ذاتك لتكون أهلاً للمشاركة في إنقاذ الأمة من رقادها ". ألا ترى يا أبت أن هدف الحياة أعلى وأسمى من مجرد حطام الدنيا الفاني، ويؤسفني يا أبت أن أقول لك نشأت وترعرعت والدنيا همي، فلأجلها أدرس، وأتعلم، وأعمل.
لقد حفظت يا أبت مما حفظته في عمدة الأحكام حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال سليمان بن داود عليهما السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ".

 


الإهمال يا أبت:
ألا تشعر يا أبت أن واجب التربية يفرض على المربي المتابعة لابنه ومعرفة مدخله ومخرجه؛ فما نصيبك أنت يا أبت من ذلك. إنك لاتعرف أحداً من أصدقائي اللهم إلا عن طريق الصدفة. أما أين أذهب؟ وكيف نقضي أوقاتنا؟ وماذا نمارس؟ فهذا مالاتعلم عنه شيئاً.
إن هذا السلوك التربوي والذي يكون دافعه الإهمال، أو الثقة المفرطة أحياناً. إن هذا السلوك يريح الابن، ويفتح له الباب على مصراعيه لكن نهايته يا أبت لن تكون محمودة العاقبة، ولامطمئنة النهاية.
إنني حين أدعوك يا أبت للمتابعة، والملاحظة فلست أدعوك أن تكون كوالد زميلي في الفصل والذي يحدثني عن نفسه يا أبت أن والده يفرض عليه رقابة صارمة، فلا يسمح له بالخروج من المنزل، ويشك في تصرفاته، ولابد أن يراه في المسجد وإلا فهذا يعني أنه لم يؤد الصلاة، ويقوم بتفتيش غرفته الخاصة، وأحياناً يتصنت على مكالماته الهاتفية. وتصور يا أبت أنه قام بقياس المسافة بين منزله والمدرسة ليعرف هل سار بسيارته إلى شيء آخر. إن هذا الأسلوب يا أبت يخرج ابناً محطماً لايثق بنفسه، ولايتعامل مع الآخرين، وحين تتاح له الفرصة فسينطلق دون قيد أو وازع. فحين ينتقل إلى الجامعة ويجاوز القرية فسينفتح على عالم لن يجيد التعامل معه، بل افترض أن والده قد مات فماذا ستكون حاله بعد ذلك؟
فالتوسط هو سنة الله في الحياة يا أبت؛ فالإهمال أمر مرفوض، والرقابة الصارمة والقسوة هي الأخرى مرفوضة كذلك.

 


مفهوم الصداقة يا أبت :
جليس السوء يا أبت كنافخ الكير كما شبهه صلى الله عليه وسلم وليس من وصف أبلغ من هذا الوصف. لقد كنت يا أبت تنهاني فعلاً عن جليس السوء لكني اكتشفت فيما بعد أن مفهوم السوء يحتاج إلى تحرير وتحديد. لقد سألتني عن صديقي محمد فقلت لك إنه ابن فلان، فقلت : نعم الرجل والده فقد كان صاحباً لي وخيِّراً، وكأني يا أبت سوف أصاحب والده، ومحمد يا أبت من أسوأ الشباب الذين صحبتهم، وأبناء خالي كانوا لايقلون عنه سوءاً، وقد كان لهم عظيم الأثر علي في مقتبل حياتي، ومع ذلك كانت قرابتهم هي المؤهل الوحيد لديك لتزكيتهم.
إن القرابة يا أبت، ومعرفة والد الصديق ليست معياراً في صلاحه.

 

السيارة يا أبت:
يا أبت لاأنسى ذاك اليوم الذي سلمتني فيه مفتاح السيارة، ومعه بعض الوصايا العاجلة، لقد فرحت بها، وقدرت لك الموقف في حينه، وكنت أقدم لك مايرضيك للحصول على هذا المطلب، وبعد أن تقدم بي العمر اكتشفت يا أبت، أنه كان الأولى أن يتأخر هذا القرار.
معذرة يا أبت إن قلت لك إنك اشتريت السيارة استجابة لضغط أمي وإلحاحها، وثانياً لأكفيك أمور المنزل وحاجات الأهل، إن من حقك يا أبت أن تبحث عما يرضي ابنك، ومن حقك تجاه ابنك وواجبه نحوك أن يكفيك مؤنة المنزل وأعباءه؛ لكن ذلك ينبغي أن لايكون على حساب التربية يا أبت.
نعم أقولها يا أبت وبكل أسف لقد كنت قبل أن يهديني الله أذهب بسيارتي إلى حيث مالايرضي الله، دون أن تعلم أبت أين أذهب، أو حتى والدتي، ومع اعترافي يا أبت بأني أتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية إلا أني أعتقد أن من أعطاني السيارة في ذاك الوقت يتحمل جزءاً لايقل عما أتحمله أنا.

 

وسائل اللهو:
يا أبت : من الذي أحضر جهاز التلفاز في البيت، وبعده جهاز الفيديو، وبعده صحن الاستقبال، من الذي سمح لي باقتناء المجلات الهابطة، والأغاني الساقطة، أليس أبي؟ ويطالبني بعد ذلك بالاتزان، بالجد في الدراسة والتفرغ لها، وقد تاه قلبي في أودية وشعاب أخرى لاتخفى عليك يا أبت.
ألا ترى أن الأولى كان يا أبت هو ذكر مساويء هذه الأجهزة، والتحذير منها، والنهي عنها بدلاً من تأمينها، أو السماح باقتنائها.

 

بين الدراسة وصلاة الفجر:
لقد حفظت يا أبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر "، وقوله صلى الله عليه وسلم : " لايتخلف عنها إلا منافق "، وأبي يوقظني لصلاة الفجر أحياناً، لكنه لايزيد على أن يوقظني بكلمة واحدة ثم ينصرف، وكم من مرة تخلفت عن الصلاة فلم أسمع منه كلمة عتاب، أما الإجازة فأنت تعلم متى كنت أصليها.
أما حين تخلفت يا أبت عن الدراسة فتعلم ماذا صنعت معي يا أبت، أترضى يا أبت أن يقول الناس عنك إن الصلاة أقل شأناً وأهون قدراً لديك من الدراسة وأمور الدنيا ؟ اسمح لي يا أبت إن قلت إن صنيعك يشعر الناس بذلك.
وكم كنت أتمنى أن تصنع كما يصنع والد جارنا محمد فهو يحدثني عن والده أنه يوقظه للصلاة بكل هدوء، ثم يصحبه إلى المسجد، وهذا شأنه من الصغر حتى اعتاد على ذلك. وذات يوم تأخر عن الصلاة فدعاه والده وقال له يابني لاتخفى عليك قيمة الصلاة وفضلها، وخاصة صلاة الفجر. واليوم لم تستيقظ للصلاة، فأرجو أن تفكر ملياً ما السبب في ذلك ؟ فإن اكتشفت أنه السهر حرصت على النوم مبكراً، وهكذا.
يالها من تربية عالية يا أبت.

 

حين اكتشفت الشرارة:
لازال في خاطري وهاجسي يا أبت موقفك حين اكتشفت أول مظهر من مظاهر الانحراف عند أخي - وقد كان ذلك بالطبع عن طريق الصدفة وبعد وقت طويل - أتذكر يا أبت كيف كان موقفك ؟ كلمات لاذعة كالعادة، وتأنيب قاس، وماهي إلا أيام وكأن شيئاً لم يكن، حتى استمرأ أخي ماهو عليه، وألف الفساد.
ما رأيك يا أبت لو كان البديل أن جلست معه جلسة خاصة، وفتحت له قلبك، وسألته المصارحة. ما السبب ؟ ومتى ؟ ولماذا ؟ أتعرف عواقب هذا الطريق ؟ وما ذا أستطيع أن أعينك به ؟ وهذا كله مع قدر من الحزم والجدية، ألا ترى أن هذا البديل قد يكون أنجع، وأن هذا الحل قد يكون أولى.

 

الـتـــعلــيم:
أعتقد يا أبت أن التربية أبعد مدىً من مجرد الأمر بالصلاة، والنهي عن المنكرات، والتي حتى لانسمعها إلا بلغة أعلنت المقاطعة التامة مع الرفق والحكمة. أليس من حقي يا أبت عليك أن تأخذ بيدي في وصية بالغة، أو موعظة، أو تذكير، أو تعليم مسألة من المسائل.
لقد قرأت يا أبت في كتاب الله عن لقمان الذي آتاه الله الحكمة وصيته الجامعة الفذة لابنه؛ وكم كنت أتمنى أن أتلقى منك مثل هذا التوجيه والتعليم.
يا أبت أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : " اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت.... "
قال مصعب بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : كان سعد يعلمنا خمساً يذكرهن عن النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر " رواه البخاري.
قال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص : كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول يابَني إنها شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.
يا أبت : قال ابن سحنون في كتابه آداب المعلمين عن القاضي الورع عيسى بن مسكين أنه كان يقرئ بناته وحفيداته. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه، وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة.
لقد كان السلف يا أبت يعنون بتعليم أبنائهم وتوجيههم ومن ثم حفظ لنا التاريخ الوصايا الكثيرة التي تلقوها من آبائهم. روى الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع أن إبراهيم بن الحبيب بن الشهيد قال: قال لي أبي : ائت الفقهاء والعلماء وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي من كثير من الحديث.
وحين سافرت يأبت مع أستاذي في رحلة مدرسية عشت فيها جواً أستذكر طيفه وخياله كل يوم، فكنت أسمع التوجيه، والموعظة، والتأديب، والفائدة من أستاذي بلغة التعليم، والتربية. مما كنت لا أسمعه من أبي وللأسف. ومما حفظته في المدرسة يا أبت :_
عود بنيك على الآداب في الصغر ***كيــما تقر بهم عيناك في الكـــبر
فإنما مثل الآداب تجمعهـــــا*** في عنفوان الصبا كالنقش في الحجـر

 

يصلح إذا كبر:
كنت أقدم الشاي يوماً للضيوف وأسمع بالطبع مايدور بينكم من نقاش كان يهمني بدرجة كبيرة لأنه حديث عنا معشر الأبناء. وصدمت بتعليقك : ( يكبر حين يصلح... هكذا الشباب... وقد كنا نحن في الصغر كذلك حتى هدانا الله... ) وقلت في نفسي نعم تقول كنا كذلك لأنك للأسف يا أبت لم تعلم ماذا نصنع، ولاتدري ماذا نمارس، ولو علمت بذلك كان لك منطق آخر ولغة أخرى، وقد تساءلت بمرارة يا أبت عن هذا المنطق يكبر حين يصلح، فمن يضمن ذلك، ولم لايكون البديل يزداد إيغالاً في السوء والانحراف؟ ثم هل تضمن له أن يكبر يا أبت ؟. أتذكر قبل شهرين حين توفي اثنين من زملائي تغمدهم الله برحمته، وبعدهم بأسبوعين توفي اثنان كذلك، ولم تتصور أن ابنك لن يكون كهؤلاء فيتخطفه الأجل قبل الموعد الموهوم الذي تنتظر أن يتوب فيه.

 

أزمة الثقة:
أجد يا أبت فرقاً شاسعاً بين ما ألقاه منك من تعامل حين أكون مع الناس، وبين مافي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام:" أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟" فقال الغلام : لا والله يارسول الله لاأوثر بنصيبي منك أحداً، فتله – أي وضعه – رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى الشيخان يا أبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه : " من الشجر شجرة لايسقط ورقها ومثلها مثل المسلم فحدثوني ماهي؟" فذهب الناس في شجر البوادي وكان ابن عمر أصغر القوم فاستحيا أن يقول إنها النخلة، وحين أخبر أباه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له : لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا.
يا أبت لقد تجرأ ابن عمر رضي الله عنه أن يحدث أباه بعد ذلك بما دار في نفسه، وشجعه أبوه رضي الله عنه على أن يكون قالها، وفي الوقت نفسه لم يعاتبه ويوبخه على عدم قوله لها.
كنت أقرأ في التاريخ يا أبت عن سيرة أسامة بن زيد رضي الله عنه، وعبدالله بن عمر، والأرقم بن الأرقم، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من شباب الصحابة الذين كانت لهم أدوار محمودة في تاريخ أمتهم، وفكرت يوماً من الأيام أن أتطلع لأكون مثلهم، وأقتدي بهم. لكني وجدت أن أبي قد رباني على أني لست مؤهلاً إلا لإيصال الأهل للسوق، وإحضار الخبز للمنزل؛ حتى الفاكهة لست مؤهلاً لشرائها من السوق، فضلاً عن الذبيحة، ومع ذلك لست مؤهلاً لاستقبال الضيوف، أو الجلوس معهم إلا حين أقوم بتقديم القهوة والشاي فقط.
ألا ترى يا أبت أن هذا قد أدى إلا طمس الثقة بنفسي حتى أصبحت أشعر أني لست مؤهلاً لأي دور في الحياة.

 

مشاعري غالية يا أبت:
أتذكر يا أبت حين كان الضيوف لديك فأحضرت الشاي، وتعثرت في الطريق، أتذكر كلمات التأنيب أمام عمومتي وأقاربي؟ إن كنت نسيتها فإن الصافع ينسى مالاينساه المصفوع، وهل تتصور أني نسيت يا أبت حين قدمت إليك وقد أخفقت في امتحان الدور الأول في حين نجح إخوتي وفي مجلس قريب من المجلس نفسه فلقيت من الانتقاد والسخرية منك ما لقيت؟ وهل تريدني أن أنسى ذاك التأنيب القاسي الذي وجهته لي أمام زملائي وأصحابي؟
بل أحياناً يا أبت تحملني ما لم أتحمل؛ ففي ذات مساء أمرتني أن أحضر الطيب للضيوف فذهبت إلى أمي فوجدته لم ينته بعد وعدت إليك، ألم يكن لديك بديل عن التأنيب لي ولأمي ؟ أو ليس الأولى أن تقدر في نفسك أنه لما ينته بعد؟ وهب أنه تأخر لدقائق وما ذا في الأمر؟ أعتذر لك يا أبت عن الاستطراد في هذه الأمثلة لأقول لك بعد ذلك ألا تتصور أني إنسان أحمل مشاعر وأحتاج كغيري للاحترام والاعتراف بشخصيتي ؟
لقد حفظت يا أبت في عمدة الأحكام أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر لأحد أصحابه حين أهدى له صيداً وهو محرم، فلما رأى مافي وجهه دعاه، واعتذر له وقال:" لم نرده عليك إلا أنا حرم".

 

أعطني جزءاً من وقتك يا أبت :
كم هما شخصيتان متخلفتان يا أبت، شخصية أبي حين يكون مع أصحابه وزملائه يتحدث وإياهم بكل انبساطة وسعة بال، وقد علته ابتسامة مشرقة، والشخصية الثانية لأبي نفسه حين يجلس معنا فلا نراه إلا على وجبة الطعام، والسكوت قد خيم على الجميع لايقطعه إلا الأوامر التي ترد منه تارة وتارة. أما أن يصحبنا في نزهة، أو يباسطنا الحديث، أو يسأل عن أحوالنا فهذا ما لايمكن. إني حين أراك يا أبت مع أقرانك يؤسفني أن أقول إني أحدق النظر فيك، وأعيده مرة وأخرى. أهذا هو أبي فعلاً. لقد كنت أشعر أني يتيم حين حفظت في المدرسة :-
لـيس اليتيم من انتهى أبواه من *** هم الحياة وخلفاه ذليـــلاً
إن اليتيم الذي تلقى لــــــه*** أماً تخلت أو أبا مشغــولاً
يا أبت أقترح عليك أن تمسك ورقة وقلماً وتسجل فيه كم ساعة تقضيها في العمل الرسمي من وقتك ؟ ثم كم ساعة للراحة ؟ وكم ساعة للزملاء ؟ وكم ساعة لمشاغلك الخاصة ؟ وأخيراً كم ساعة لتربية أبنائك ؟ أخشى أن تجد إجابة مزعجة يا أبتك أخبرك عنها سلفاً لأني أعرفك جيداً. ستجد أن وقت التربية - إن استطعت أن تحسبه - لايمثل إلا نسبة تافهة من وقتك لاتسحتق الذكر. هل فكرت ياأبي أن تقرأ كتاباً أو تسمع شريطاً عن التربية وأسسها. أهكذا قدر أبنائك عندك ؟ وقيمتهم لديك ؟
يا أبت لقد دعاني ذلك أن أمنح زملائي الثقة المفرطة، وأن أستأمنهم على مشكلاتي، وأستشيرهم في أموري، وأستأمرهم في قراراتي، مع أنني أدرك أن أبي أكثر خبرة، وأصدق لهجة، وأعمق نصحاً من زملائي، لكني لاأجد الوقت المناسب له لأفاتحه الحديث، ولو وجدت الوقت لكانت أمامي العقبة الآتية:

 

المصارحة يا أبت :
لقد حدثتني نفسي مرة يا أبت أن أصارحك ببعض مشكلاتي ومعاناتي حين كنت وإياك على مائدة الطعام وقد سيطر عليها الصمت المطبق كالعادة، ولكني لم أستطع لأني أعرف أن الجواب سيأتيني قبل أن أكمل حديثي، لأني أعرف أني لن أعطى الفرصة للحديث، ناهيك عن أن تناقش مشكلتي بهدوء وتجرد وبموضوعية بعيدة عن التشنج والغضب.
يا أبت ألا توافقني أن الابن يحتاج إلى أن يفتح الأب له صدره، حتى يفضي له بما يريد، ويشكو له مما يعاني؟ وأن لغة النقد والتشنج تقضي على كل حماسة منه للمصارحة يدفعه لها حرارة المشكلة؟

 

الواقعية يا أبت:
كم مرة يا أبت دعوتني وأنا خارج من المنزل لتكلفني بإيصال أهلي، أو إحضار طلب معين لك، فأخبرك أني على موعد مع أصحابي، فأطلب فرصة للاعتذار منهم على الأقل، أو أطلب تأخير طلبك لوقت آخر وهو قابل للتأخير. فلا ألقى منك إلا الزجر والتأنيب.
يا أبت : لاشك أن من حقك أن لاأتردد في تلبية أمرك، وأن لاأقدم عليك أحداً؛ لكن ألا توافقني يا أبت أنك لو كنت تعاملني بمرونة أكثر فتخبرني بطلبك قبل وقت كاف، وتسألني عن الوقت المناسب لي، وتؤخر لي أحياناً ما يحتمل التأخير، ويبقى قدر بعد ذلك لايتسع له هذا المجال يمكن أن أضحي فيه، أما أن يكون هذا هو القاعدة فقديماً قيل إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، ألا ترى يا أبت أن هذا الأسلوب يشعرني بالاحترام والتقدير، ويشعرني بالثقة في النفس، ويدعوني لأداء ماتطلبه بنفس راضية مطمئنة؟

 

الخوف والجبن:
إننا يا أبت أمة رسالة، أمة جهاد في سبيل الله، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، ومن لم يغز أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق، أليس من حقي عليك يا أبت أن تربي لدي الشجاعة، وعدم الخوف مما سوى الله سبحانه وتعالى؟
أترى أن أساليب التخويف في الصغر من الهر.... من اللص.... من العفاريت.... من عامل النظافة...- ولايتغير حين يتقدم بي السن إلا الأسلوب فقط - أترى أن هذه الأساليب تخرج شاباً مؤهلا ً لحمل الرسالة، والجهاد في سبيل الله والتضحية لأجله سبحانه؟ وهل تظن يا أبت أنت أو أمي أن مثل ذلك سيخرج أمثال خالد بن الوليد، أو صلاح الدين، أو نور الدين الشهيد؟
لقد كانت الشجاعة مضرباً للمثل في الثناء والمدح عند العرب، يربون أبناءهم عليها، ويغرسونها فيهم، ويعير أحدهم بالجبن. أفينكل عنها من اختارهم الله ليكونوا حملة الدين والرسالة؟

   

كيف يعالج الخطأ:
الخطأ يا أبت لايخلو منه بشر فهو صفة ملازمة للإنسان، فكيف بالشاب الصغير؟ ومن واجب الأب أن يصحح خطأ ابنه، وأن يوقفه على أخطائه، والجميع يوافقه بل ينتظر منه ذلك.
ولكن ألا تشعر يا أبت أن أسلوبك في معالجة الخطأ يحتاج إلى بعض المراجعة فهل يسوغ أن لاتترك صغيرة أو كبيرة إلا واجهتني بها؟ ثم لماذا تعالج الأخطاء بالقسوة دائماً؟ كثيرة هي المرات يا أبت التي أتلقى فيها ضرباً مبرحاً، أو لوماً عنيفاً، أو صداً وإعراضاً، والسبب خطأ تافه لايستحق مجرد الوقوف عنده، بل يا أبت إن بعض المواقف لاأكتشف خطئي فيها، أو لاأقتنع أن مافعلته خطأ فضلاً عن أن يصل إلى حد العقوبة.
ما رأيك يا أبت لو تم علاج الخطأ من خلال المناقشة الهادئة، والإشارة، والتلميح، والتغاضي عن بعض الأخطاء أحياناً، ألا تتصور يا أبت أن هذا أولى؟
وأود أن تطرح على نفسك هذا التساؤل : هل المقصود من الإجراء الانتقام لأني أخطأت ؟ أم المقصود التخلص من الخطأ وتجاوز آثاره ؟. وعلى ضوء الإجابة يتحدد الأسلوب الأمثل في معالجته. ويؤسفني يا أبت إن قلت لك إني مع يقيني أن مقصودك علاج الخطأ. إلا أن أسلوبك يشعرني أن المقصود هو الأول.

 

القسوة والغلظة يا أبت :
وتصور يا أبت أن بعض الآباء يسجن ابنه في دورة المياه أعزك الله، والآخر قد جهز غرفة في المنزل لسجن ابنه حين يقع في الخطأ، والثالث قد أعد سلسلة من الحديد يربط فيها ابنه حين يقع في الخطأ.
أما الضرب المبرح والقاسي فهو لايخفى عليك سنة يمارسها الكثير من الآباء.
إنك توافقني يا أبت أن هذا السلوك ينتج ابناً عدوانياً، متبلد الإحساس، ينظر إلى والده نظرة الكراهية والاشمئزاز، ويتمنى فراقه بأي وسيلة ولو كانت الوفاة يا أبت.
والبديل لذلك يا أبت ليس هو التدليل وترك الحبل على الغارب كما لايخفى عليك يا أبت.

 

الرحمة والحنان يا أبت:
لست أدري أين يذهب هؤلاء عن قول معلم البشرية ومربي الأمة " إنما يرحم الله من عباده الرحماء "وقوله: "من لايرحم لايرحم "وقوله: " الراحمون يرحمهم الرحمن "وقوله: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً بهم فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ".
وقوله في الثناء على النساء :" خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده ".
حفظت يا أبت في عمدة الأحكام أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامه بنت ابنته زينب.
وجاء الحسن يتعثر في ثوبه وهو صلى الله عليه وسلم يخطب فينزل من المنبر ويحمله ويقول:"إن ابني هذا سيد وسوف يصلح الله به بين طائفتين من المسلمين" كم هو عظيم ذاك القلب الرحيم الذي يرعى حق الذرية ويحسن إليهم حتى وهو يحمل عبء الرسالة والدعوة، وحتى وهو يصلي بالناس، أو يخطب فيهم. أقول لك يا أبت إني مع الاعتذار الشديد كنت أحتاج إلى هذه المعاني فهلا استدركتها في حق إخوتي الصغار.

 

المــكـــافأة:
قرأت يا أبت في مستدرك الحاكم أن ابن عباس رضي الله عنه وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وَضوءاً فقال له : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ".
أورد الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث عن النضر بن الحارث قال : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : قال لي أبي : يابني اطلب الحديث فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم فطلبت الحديث على هذا.
ليس بالضرورة أن يكون الثواب مالاً، بل الثناء الحسن، بل السؤال وحده كاف ليمنح التشجيع والحث، كم مرة يا أبت استخدمت هذا الأسلوب مع ابنك ؟ كم مرة سمع منك الثناء والتقدير ؟ فضلاً عن المكافأة ؟ وهل يمكن أن نضع ثوابك وعقابك في كفتين ؟.

 

الفجوة الحضارية يا أبت :
لقد عشت يا أبت في جيل وعصر له ظروف وملابسات، وتبدلت الأحوال، وتقلبت الأمور بعدك يا أبت، فها نحن نعيش في عصر جديد، تختلف موازينه، ومتغيراته، وقيمه. عشت يا أبت في بيئة محافظة في قريتنا العامرة لاتعرف إلا الخير والفضيلة، ولاترى ما وراء أسوار القرية، لكن نجلك يا أبت قد عاش في عصر آخر، عصر عمت فيه الفتن، وازدادت فيه المغريات، وأصبحت يا أبت أستيقظ وأصبح وأمسي عليها. لقد كان غاية ماتعترض له يا أبت من فتنة امرأة ترتدي عباءتها وتسير تحت الحائط قد أثر في جنبها من التصاقها به، أما أنا يا أبت، فحين أخرج من المنزل تقابلني يفوح العطر منها وقد أبدت مفاتنها، وأخرج بعد ذلك للمدرسة فأجلس مع زملائي فأسمع منهم من الأحاديث مايثير الغافل، ويوقظ الساهي، وأعود إلى المنزل فأراها أمامي على الشاشة فاتنة سافرة، تتكسر وتتغنج، وحين أذهب إلى المحل التجاري أرى المجلات وقد زينت أغلفتها بهذه الصور، أما جهاز الفديو يا أبت فلايخفى عليك مافيه، ويجهز علي مابقي جهاز الاستقبال الذي أصبح يعرض أمام ناظري قنوات العالم بأسره. هذا ما أواجهه يا أبت وهذا ما أعاني منه.
فهل لازالت بعد ذلك يا أبت تعاملني بعقلية العصر الذي عشته وألفته.

 

فارق العمر يا أبت :-
وبعيداً عما قلته يا أبت في الصفحة السابقة أنت بلغت أشدك، وأنا لازلت شاباً مراهقاً، أنت متزوج من اثنتين، وأنا لازلت أعزباً، فتجلس معي أمام شاشة التلفاز، فيثيرني مالايثيرك، ويحرك مشاعري مالايحرك لديك ساكناً، فهلا فكرت يا أبت وأنت ترى ما أنا عليه، بل وحتى تقييم أعمالي، وأخطائي، هل فكرت في سني ومبلغي من العمر؟

 

الزواج يا أبت :
ومع ماسردته لك يا أبت من معاناتي مع الشهوات والفتن، فلست بحاجة إلى أن أذكرك بوصية النبي صلى الله عليه وسلم : " يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ". أتخشى ألا أقوم بأعباء الزواج وقد قال الله الذي بيده الأرزاق [وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم].
تعتذر يا أبت بعدم القدرة، لكنك بعد ذلك تزوجت الزوجة الثانية، وهذا أمرٌ من حقك ولا أتدخل فيه. لكني أتصور يا أبت أن حاجتي أكثر إلحاحاً من حاجتك للزوجة الثانية. وأظن أيضاً أنك قادرٌ على تزويجي بأقل من نصف مادفعته أنت للزوجة الثانية.
وبعد ذلك اشتريت لي السيارة بمبلغ كان يكفي أقل منه، فيوفر جزء من ذلك لما أنا أحوج إليه ألا وهو الزواج.

 

الناس معادن يا أبت:
لقد من الله يا أبت على أخي محمد بذكاء، وفطنة، وشخصية جادة تتعلق بمعالي الأمور، وصبر وجلد ليس لغيره من إخوته وأنا كذلك مثلهم. لكن ياأبي مابالك دائماً تريدنا أن نكون مثل محمد حتى في الذكاء، والحفظ، والفطنة، مما لانملكه، ودائماً تذكرنا به، وتعيرنا أنا لم نكن مثله مما أوغر صدورنا تجاهه، وجعله يتكبر علينا.
لقد اكتشفت يا أبت حين تقدم بي العمر أن الناس مواهب وطاقات، وأن الله قسم العقول كما قسم الأرزاق، فهلا أخذت هذا في حسبانك يا أبت وأنت تعامل أبناءك؟

 

القدوة يا أبت:
كم مرة يا أبت أوصيتني أن أقول لمن يطلبك في الهاتف إن والدي غير موجود، وحين أوصلتني للمدرسة قبل أن تشتري لي السيارة أمرتني أن أعتذر بأعذار غير صادقة. في حين سمعت الإمام بعد صلاة العصر مراراً يقرأ قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ". وقوله صلى الله عليه وسلم : " أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف... ". وسمعت من أستاذي، ومن خطيب الجمعة النهي عن الكذب والتغليظ على من فعله، ألا ترى يا أبت أني تعلمت الكذب وبكل أسف في المنزل، وممن ؟ ممن كان الأولى به أن يكون القدوة الحسنة، من أكبر رجل في المنزل، وقل مثل ذلك في السماع الحرام، والنظر الحرام، والتهاون بالصلاة.
أليست التربية يا أبت بالقدوة من أول وأهم جوانب التربية ؟.

 

مجالس الآباء حين يحضرها الابن:
حين تجلس يا أبت مع أصحابك، وأقدم لكم الشاي دون أن أقول كلمة - كالعادة - أسمع ما يجري بينكم مما أرى أنه كان ينبغي الترفع عنه ولو أمامي على الأقل يا أبت.
لا أفهم يا أبت كيف تفيضون في أمور النساء، وغالب حديثكم لا يجاوز ما بين السرة والركبة. وأمامكم شاب مراهق، لديه من الشهوة مالا يفتقر إلى ما يثيره، فيسمع مثل هذا الحديث. هلا سألت يا أبت نفسك عن أثر مثل هذا الحديث على أمثالي.
أليس مدعاة لأن تثور الشهوة لدي وأنت تعلم أني لا أجد المصرف الشرعي.
أليس مدعاة إلى قدوة سيئة، واستمراء لمثل هذا الحديث في مجالسي مع أصحابي، وهناك حيث لا يضبطها ضابط، أو يمنعها وازع، فقد تتطور إلى مالايخفى عليك.

 

مرحلة الالتزام :
لقد عشت يا أبت مرحلة من الغفلة والصبوة كما قلت لك في بداية رسالتي ثم من الله علي بالهداية وانتقلت إلى مرحلة جديدة، أستأذنك يا أبت أن أحدثك قليلاً عنها :

 


هل كان لك دور يا أبت؟
كم كنت أتمنى أن يكون صاحب الفضل في التزامي واستقامتي بعد الله هو أحب الناس وأقربهم إلي هو أنت يا أبت.
ولكن كم يؤسفني أن هذا الرجل لم يكن له أي دور؛ بل وحين هداني الله كنت أنتظر التشجيع، أن أرى تغيراً؛ ولكن وللأسف لم أجد شيئاً يذكر.

 


لماذا تكون عائقاً يا أبت ؟
وحيث لم أجد ذلك يا أبت هل وقفت موقف الحياد، أم أن الأمر تغير بالاتجاه المعاكس. كم أعاني يا أبت حين أريد أن أسافر للعمرة، أو أشارك مع طلاب الحلقة.
ولست أدري يا أبت ما أقول هاهنا؟ كم مرة ودعت أصحابي ودموعي تذرف لأني لم أصحبهم لالشيء إلا أن أبي لم يوافق؟ كم من ورقة أحضرتها من المدرسة تطلب الموافقة على المشاركة في برامج الجمعية المدرسية، وكان إمضائك دائماً في زاوية لا أوافق؟

 


أتدري يا أبت كم حفظت من القرآن ؟
لقد التحقت بعد أن هداني الله يا أبت في حلقة لتحفيظ القرآن الكريم، ومضيت في حفظ كتاب الله بجدية وعزيمة، وها أنا الآن قد أتممت حفظ القرآن، وابتدأت بحفظ عمدة الأحكام، ومع ذلك يؤسفني يا أبت أن أقرب الناس إلي لم يعلم عن ذلك شيئاً، إنه لم يوجه إلي سؤالاً في يوم من الأيام.
ماذا حفظت ؟ أي درس حضرت ؟ ماذا علمت ؟.
أي أثر يتركه يا أبت ذاك الأب الذي يسأل ابنه ماذا حفظ؟ وماذا تعلم؟ وما أخبار الحلقة، وأخبار الدرس الأسبوعي في المسجد؟ ويصحب ذلك بالتشجيع، والحث، والثناء والدعاء:" اللهم فقهه في الدين، وزده علماً وعملاً ".

 


أتعرف أصحابي ؟
كم مرة تقابلهم يا أبت لدى الباب، فلا يحظون منك بالسلام فضلاً عن الترحيب، والتقدير، أو الجلوس معهم، والتعرف عليهم، ومعرفة أحوالهم. ألا ترى يا أبت أن ذلك يشعرني بالتقدير، بالاهتمام، بالثقة، بالرجولة؟

 


هل أنا متشدد فعلاً ؟
كم سمعت منك هذا الوصف يا أبت؟ ولست أدري هل انتقلت إليك العدوى من وسائل الإعلام الغربية؟ فما أن أفوه بكلمة وما أن تراني على عمل حتى تنهاني عن التشدد، وحتى صيام النفل مدرج في القائمة لدى أبي ضمن التشدد، فضلاً عن قيام الليل، وحتى إنكار المنكر، وآلات اللهو هو الآخر يعتبر تشدداً.
لا أنكر يا أبت أني قد أقع في الخطأ، وقد أبالغ أحياناً لكن أهكذا تؤخذ الأمور ؟ فضلاً عن أن يكون الحق وفق ما رأيت.

 

أختي يا أبت :
وأخيراً والوقت يلاحقنا يا أبت أستأذنك في أن أحدثك عن معاناة أختي، والتي شأنها شأني لم تجد وقتاً للحديث، أو مجالاً للمصارحة، يا أبت تعلم مايخطط الأعداء للمرأة المسلمة، ومايعملون لجرها إلى الرذيلة والفساد، وأختي واحدة من هؤلاء.
فهل تستطيع أن تشكي لك مشكلة؟ أو تصارحك بهم يا أبت؟ بل هل تستطيع أن تجلس معك دقائق؟
يا أبت ألا ترى أن خلافك مع والدتي ينبغي أن يؤجل ليكون خاصًّا؟ هل ترى مما يخدم المصلحة-وبالذات مع أختي- أن تؤنب والدتي أمام الجميع، وعلى أمور تافه ربما زيادة أو نقص كمية الملح أو السكر في الطعام؟
يا أبت : أليس من حق أختي أن تعجل موضوع زواجها، بل أن تبحث لها أنت عن الزوج الصالح، ولنا سلف يا أبت في عمر حين عرض ابنته على الصديق.
يا أبت : أليس من حق أختي أن تأخذ رأيها في الزواج ؟ وأن لا تكون ضحية معرفتك وصداقتك لوالد زوجها، والذي معيار تزكيته لديك معرفتك لوالده وأخواله؟
أليست أجهزة اللهو مما يدمر أختي يا أبت؟ أتدري يا أبت أن أختي تعلمت مصطلحات الحب، العشق، الغرام، العلاقة العاطفية.. ومن أين؟ مما أمنه لها والدي ليسليها ويقضي وقت فراغها الذي وفرته لها الخادمة النصرانية.

 

وأخيرا :
وأخيراً يا أبت فهذا حصاد الخاطر المكدود، وهذه نتيجة العزيمة التي دفعتني إلى هذا الحديث الصريح، الذي أرجو ألا يكون فيه افتئات عليك، أو سوء أدب معك، أو إخلال بحقك في البر والإحسان.

عودة إلى الصفحة الرئيسية